في قلب بيروت، حيث تتلاشى الموسيقى الإلكترونية لحظاً ليقوم المغني بترتيب أغنية أخرى، تخرج الغرفة من صمتها. مع نبض الكوردات الأولى لأغنية «ألف ليلة وليلة»، يهتز المكان برغبة الجميع في مشاهدة امرأة ترتدي تنورة حريرية بيضاء تدور على إيقاع الموسيقى.
تدور هذه اللقطة حول نائما يازبك (55 عاماً)، التي ترقص في نادي «مادام أوم» دون أن يهتم أحد بما إذا كانت تتحدث العربية أم لا، أو أين ولدت. لكن وراء هذا المشهد الفني، تكمن قصة هوية معقدة.
ولدت نائما في ساو باولو ضمن عائلة لبنانية الأصل، وعاشت بعيداً عن لبنان حتى عام 2009. تقول إنها شعرت دائماً بجذب الوطن الأم، خاصة بعد إجراء اختبار للأنساب عبر شركة 23andMe الذي أظهر أن نسبها اللبناني يبلغ 70.9%.
«كنت أريد أن أكون هنا لأتعلم اللغة والثقافة وأفهم جذور عائلتي»، تقول نائما. لكن الواقع القانوني يختلف عن المشاعر العاطفية؛ فالقانون اللبناني لا يسمح للأمهات بنقل الجنسية للأبناء، مما يعني أن نائما تظل مواطنة برازيلية رغم انتمائها العرقي.
عند وصولها الأولى، كانت بحاجة إلى إقامة عبر راعٍ، لكن مشاعرها تجاه لبنان لم تكن كالمغترب. «من اللحظة التي وصلت فيها، شعرت بشيء لا أستطيع شرحه، كأنه روحاني أو قدر»، تقول.
بعد عودتها للبرازيل، لم تستطع النوم، وقررت بيع سيارتها والبدء من الصفر في لبنان. تقول إنها أرادت «المخاطرة على حياة جديدة تماماً».
يُشير المؤرخ البرازيلي ديوجو بركيتو إلى أن فكرة «العودة» لدى أبناء المهاجرين قد تكون متناقضة ظاهرياً، حيث يمكن لشخص لم يولد في لبنان أن يشعر بالعودة كعودة للوطن. لكن هذا الوطن هو ما ورثوه عبر القصص والأغاني والطعام، وقد يختلف كثيراً عن الواقع الذي يواجهونه عند الوصول.
في المقابل، تواجه ناتالي ناصيف (40 عاماً) تحديات مشابهة لكنها مختلفة؛ فقد نشأت في البرازيل مستمعة لأغانٍ عربية وتأكلة أطباق لبنانية، لكن والدها غادرها بعد ولادتها. عندما دعيته للعودة إلى لبنان عام 2005، شعرت بالخوف من مواجهة والدها الذي لم تره منذ طفولتها.
في المطار، ترددت في الخروج قبل أن تقرر «يجب أن أفعل ذلك»، وخرجت لتواجه والدها وأقاربه الذين لم ترهم من قبل.
تُظهر هذه القصص كيف أن الهوية اللبنانية في الشتات ليست مجرد مسألة جغرافية أو قانونية، بل هي رحلة عاطفية وثقافية معقدة بين الذاكرة والواقع.