بقلم مروان الأيوبي
7 أكتوبر
كان لنا أن نفرح، للمرة الأولى سقطت هيبة الجيش الإسرائيلي بشكل دراماتيكي. إنهيار في قيادة الجنوب وارتباك على مستوى القياديتين السياسية والعسكرية.
المشهد الذي تبدى أمام العالم، كان لشباب لم يدرسوا في مدارس عسكرية ولم يتخرجوا من كليات حربية، جُلّهم نبت من الأرض التي سقتها دماء أجدادهم، آباؤهم والأمهات. حفروا في الأرض عميقاً بحيث غابوا عن السمع والبصر، ثم أشرقوا كما الشمس تماماً في عصف قتالي لم نألفه.
استولوا على الدبابات والآليات، اقتحموا المواقع والمهاجع قاتلوا عدوهم فقتلوه، وأسروا جنده. كان وعد من الله حق.
طوفان الأقصى لبست حرباً يتحقق فيها نصر مبين، قيمتها انها أعادت السردية الفلسطينية إلى العالم، قدّمت فلسطين قضية احتلال ونضال شعب. فلسطين الضحية والمناضلة في آنٍ معاً.
في الأيام الأولى حاول الصهاينة استعادة الهولوكست ثانية وكادوا أن ينجحوا. لكن عطشهم للدم الفلسطيني ولأي دم قادهم إلى مجازر ومجازر.
لم يستثنوا مستشفى أو مدرسة، مسجداً أو كنيسة، شيخاً، امرأة أو طفلاً، قرروا أن الفلسطينيين ليسوا بشراً.
لكن الفلسطيني، بصورته الأولى والأبهر الذي نفخ الله فيه من روحه، علّم الإنسان ما لم يعلم عن معنى الإنسانية في وجه عدو غاشم، أعطى أسراه دفء أرضه، وحلاوة نبته، ورحابة بحره المنفتح على العالم، قال ان الدم سينتصر على البندقية وخاطب كل المتجمهرين أمام شاشات التلفزة بأنه باقٍ كجذر عميق في الأرض، أشلاؤه المبعثرة على جدران بيوته الصغيرة وفوق تراب وطنه لا بد أن تُزهر حرية. أعطى للنضال معنى آخر، وقال ان النصر عمل، والعمل فِكر وإيمان وهكذا يبدأ كل شيء بالإنسان.
أيّ إنسان هذا الفلسطيني؟! الذي يجعل من دمه نهراً يروي الأرض العطشى، أو بحراً يحمل الناس إلى الأفق البعيد، إلى حيث تحلِّق الروح متحررة من كل قيد.
هذا الفلسطيني أيقظ ضمير العالم، أربك عقوله، عرّى قِيَمه بحيث بدت افتراضية وأوهام يتخفى وراءها إبليس الكامن خلف ستارة الحرية والمساواة والديمقراطية.
كم اتّسعت الأرض لصرخات الذين تظاهروا دعماً لفلسطين، لحقّها في الحرية وحق شعبها في دولته، ضاقت شوارع العواصم والمدن الغربية باتساع مشروعية النضال الفلسطيني كما ضاق النظام الغربي كله من اتساع قاعدة المشروع، لكنها مع ذلك تشبه صرخات في الهواء الطلق، تأثيرها الطفيف في بعض مجريات السياسة الغربية يتم قضمه بابتكار عنصرية كمنت وتمظهرت بخفوت أحياناً لكنها كشّرت عن أنيابها بقوة حتى في وجه مواطنيها الذين عابهم صمت الحملان عن الغيلان التي أمعنت في حرب إبادة يشاهدها العالم أمام عينيه. لكن الرهان سيبقى على أولئك الشباب الذين إذا ما راكموا في حراكهم أن يشهدوا أو نشهد معهم نظام عالمي أكثر عدلاً لحساب الأنسنة على حساب المصالح.
ماذا فعلت حرب الإبادة فينا؟!
مع كل شهيد كانت تتضاءل البسمة، ومع كل مجزرة يتلاشى الفرح بفعل الوجع الذي يحفر عميقاً في القلوب، حتى كدنا ندمن رؤية الدم والأشلاء.
أغرب ما نعيش هو ذلك الإحساس بالعجز المتفشي فينا، عرب ومسلمون، أعجز من تنظيم مظاهرة وأعجز كثيراً من محاصرة قصر جمهوري، أو قصر ملكي، أو سرايا حكومة.. خوف كل هؤلاء الحكام المتربعين على العروش من فعل نصرٍ يخطه الشعب الفلسطيني كنموذج لمواجهة كل استبداد..
لكن ما سر خوفنا نحن؟!
إنه الخوف من الحرية، لكأننا أدمنّا سجننا الكبير مذاهبنا هي بيوتنا الآمنة، وساستنا آلهة نقدم لهم حياتنا قرابين. لم تعد تضحياتنا فداء للوطن أو الكرامة والتحرر. بقدر ما هي فداء للزعيم ولأي زعيم، هو الذي يمنحنا صك البراءة لندخل في جنته على الأرض أو جنة الله في السماء.
وماذا عن جبهات الإسناد والمشاغلة؟!
الفارق بين وحدة الساحات وجبهات الإسناد كالفالق الزلزالي، في الأولى انغماس كلي في الأهداف والحرب، والثانية مواجهات متنقلة تُشاغل لمنع العدو من تحقيق أهدافه، هنا سقطت كل الشعارات عن إزالة إسرائيل وإنهاء الاحتلال بسبعة دقائق ونصف أو أكثر قليلاً. هنا تبدلنا من التحرير بالقوة إلى زوال إسرائيل بانفجارها من الداخل، هي إلى زوال حتمي بفعل ذاتي لا بقدرة رجال الله في المقاومة.
افترضنا ان الشيطان الأصغر سيفجر نفسه، وإن الشيطان الأكبر أميركا سترى ربيبتها تنتحر، لكن غزة كشفت أن الشيطان الأكبر هو إسرائيل وأن كل شياطين العالم تسعى لاهثة لحمايتها والدفاع عنها بل وإعلان الحرب على كل مَن يعاديها أو يستهدفها، اكتشافاتنا المتأخرة قادتنا إلى قناعة مُستجدة بأن موتها بطيء وذاتي!!
ورغم ذلك فإن جبهات الإسناد وبعيداً عن تشقق الأهداف أدّت وظيفتها كاملة في الأشهر الأولى للحرب على غزة وعلى كل فلسطين، إشغال للعدو وانتهاك مستمر لهيبة جيشه وتهجير مستوطنيه من مستوطنات ومستعمرات الشمال عدا عن شبه حصار اقتصادي بفعل اليمن الذي أقفل إلى حدٍّ كبير البحر الأحمر وبحر العرب.
قيمة هذا الإسناد كانت الضغط على الكيان وإبراز تهديدات جدّية بفتح أكثر من جبهة في فترة ارتباك وتضعضع جيشه وبالتالي الذهاب إلى تسوية ما توقف المجازر وحرب الإبادة
وتُخرج حماس وقوى المقاومة منتصرة بما تبقى وبغض النظر عن الخسائر البشرية والمادية.
هناك وضعنا العدو الصهيوني أمام مأزق الحرب الواسعة او القبول بتسوية تعيد له أسراه وتمنع سقوط حكومة نتنياهو أمام الضغط الداخلي، لكن هذا العدو المتعطّش للثأر والانتقام هذا اليميني المتطرّف بلا أية ضوابط، استفاد من حشد النظام الغربي كله وراءه. تذاكى على حلفائه وعلينا، لعب على عامل الوقت وفهم الفارق بين وحدة الساحات ومفهوم الاسناد، كشف عوراتنا بأننا غير قادرين على الحرب الواسعة ولا مصلحة لنا فيها لأسباب تتصل بالداخل ولمصالح بعض قوى الخارج. بتنا نحن في مأزق، لا نملك تصوّراً للأيام القادمة ولا ندرك إلى أين مسير خطواتنا. غزة لم تعد غزة، والضفة الغربية منهكة كسلطتها ومنتهكة من جموع وجموح المستوطنين.
بات حلّ الدولتين مستحيلاً، وبات دمنا مدراراً بشكل يومي دون أي تحرُّك سياسي على مستوى الإقليم أو شعبي على مستوى المنطقة والعالم. غزة وحيدة متروكة فقط لصمود شعبها وزنود شبابها الذين لا يملكون إلا الموت، فلنمت ونحن نقاتل، لا بفعل القصف الذي يطال الأرض والشجر والخيام والهواء والسماء.
الان لم تعد المشاغلة مُجدية ولا وقف النار، أدركَ العدو خوفنا فاستباحنا، يناور ويناور ويضحك في سره علينا، أخذنا إلى حيث يريد وبقينا نحن خارج أسوار الحصار والموت نتغنى بالشعارات.
سابقاً تعلمنا أن الجغرافيا ثابتة والتاريخ متحرك، أما اليوم فان الفلسطيني يُعلِّمنا أن التاريخ ثابت، لأنه هو من يمنح الأرض هويتها، ثقافتها، تقاليدها، هو الفلسطيني الذي يزرعها ويبنيها، وهو الفلسطيني الذي يصنع قدره بدمه لابحد السيف، بروحه التوّاقة إلى حريته، وبإرادته التي لا تلين في مواجهة الشيطان الأكبر.